محمد شمّاس النوراني
وقد تعددت تعريفات الاستشراق وتنوّعت بين الباحثين، غير أنّ أدقَّها وأشملها – من حيث بيان حقيقته – ما أورده إدوارد سعيد، إذ عرّفه بأنه: أسلوب غربي للهيمنة على الشرق، وإعادة صياغته وتشكيله، وممارسة السلطة عليه.
وهذا التعريف يكشف بوضوح طبيعة الاستشراق ومنهجه، فهو لا يقتصر على الدراسة البريئة أو البحث الأكاديمي المحايد، بل يقوم على إعادة صياغة صورة الشرق بما يوافق رؤية الغرب ومصالحه. ومن هنا يتجلّى أثره في التعامل مع النصوص الدينية؛ إذ عمد المستشرقون إلى تحريف معانيها، واقتطاعها من سياقها، وتشكيلها بما يخدم أغراضهم الفكرية والسياسية، حتى بدت النصوص في كتاباتهم بعيدة عن حقيقتها، مغايرة لما أجمع عليه المسلمون علماً وعملاً. وبذلك تحوّل الاستشراق إلى أداة لإعادة تشكيل التراث الإسلامي وفق منظور غربي يسعى إلى السيطرة وإضعاف الثقة بمصادر الدين، وعلى رأسها السنة النبوية.
وخلال الفترة الممتدة من النصف الثاني من القرن التاسع عشر إلى الربع الأول من القرن العشرين، بلغت حركة الاستشراق أوج نشاطها، خاصة بعد أن وجدت دعماً مباشراً من الحكومات الاستعمارية الغربية، التي سخّرت لها المال والوسائل، وفتحت أمامها أبواب البحث والاطلاع على المخطوطات والمكتبات الإسلامية. وكان الهدف من ذلك توظيف الدراسات الاستشراقية لخدمة مشاريع الهيمنة السياسية والثقافية، وزعزعة الثقة بمصادر التشريع الإسلامي، وعلى رأسها السنة النبوية، تمهيداً لإضعاف المجتمعات الإسلامية أمام الغزو الفكري والثقافي الغربي.
اهتم المستشرقون، منذ ظهور حركة الاستشراق في أوروبا، بدراسة مختلف جوانب الدين الإسلامي، عقيدةً وشريعةً وتاريخاً وثقافةً. وقد أدركوا أن السنة النبوية تمثّل ركناً أساسياً في هذا البناء؛ فهي المصدر التشريعي الثاني بعد القرآن الكريم، والمبيّنة لأحكامه والمفسّرة لآياته، بل هي التطبيق العملي لما جاء في كتاب الله. ومن هنا أولوا اهتماماً خاصاً بها، ليس بهدف الفهم والإنصاف، بل من أجل الطعن والتشويه، وإثارة الشبهات التي تمسّ مكانتها ومصداقيتها، والتشكيك في حفظها وتدوينها.
لم يقترب المستشرقون، ولا أصحاب التحريف والتشويه، من السنة النبوية أو الحديث الشريف إلا بعد فوات الأوان، ولعل أول من فعل ذلك المستشرق إجناتس جولدتسيهر ( Ignác Goldziher) (1850–1920م) من خلال بحثه بعنوان "الدراسات الإسلامية" ( Muhammedanische Studien) بالألمانية، الذي نُشر سنة 1890م.
ثم جاء بعده جوزيف شاخت (Joseph Franz Schacht) (1902–1969م) بكتابه الشهير في عالم الاستشراق، المسمّى "أصول الشريعة المحمدية" (The Origin of Muhammedan Jurisprudence)، والذي عُرف عندهم بـ "الإنجيل الثاني" في الدراسات الاستشراقية. وقد خلص في بحثه إلى أنه لا يوجد حديث واحد صحيح، وخاصة الأحاديث الفقهية.
أما البروفيسور جيمس روبسون (James Robson) فقد قام بترجمة كتاب "مشكاة المصابيح" وكتاب "المدخل" للحاكم إلى اللغة الإنجليزية. وكان جيمس روبسون متأثرًا بالبروفيسور شاخت، ولذلك لم يتمكَّن من استنباط المسألة أو فهمها على حقيقتها.
ومن الكتب الإنجليزية في هذا المجال كتاب ألفرد جيوم(1888-1965م) (Alfred Guillaume) المعنون بـ أحاديث الإسلام، ( The tradition of Islam) حيث تناول فيه مؤلفه الأحاديث النبوية، غير أنّه اعتمد اعتماداً كاملاً على كتابات المستشرق جولد تسيهر، فلم يأت بجديد يُذكر في الموضوع، مما أفقد الكتاب قيمته العلمية الحقيقية.
لقد حاول المستشرقون، من خلال هذه الكتابات وغيرها، الطعن في ما استقرّ عند المسلمين من منزلة السنة النبوية ومكانتها التشريعية، والتشكيك في أصالة التشريع الإسلامي. غير أنّ جهودهم لم تُفضِ إلى بناء نظرية علمية متماسكة أو متجانسة، يمكن أن تُعدّ بديلاً متكاملًا لمعارضة عقيدة المسلمين وأصالة تشريعهم.
إذن، فلننظر كيف عرّف المستشرقون الحديث النبوي أو كيف واجهوه. فقد زعم جولدتسيهر أنّ السنة هي خلاصة العادات، وصورة عن تفكير الأمة الإسلامية قديماً، وأنها لا تعدو أن تكون شرحاً للألفاظ الغامضة في القرآن الكريم، مما جعلها ـ في نظره ـ ممارسة عملية حيّة، فهي "العادة المقدسة" والأساس الأول.
ويقول أيضاً: "لا يُوصَف عند المسلمين أي أمر أو فعل بالفضل أو العدالة إلا إذا كان له أصل في عاداتهم الموروثة أو كان موافقاً لها. وهذه العادات التي تكوّنت منها السنة تقوم عندهم مقام القانون أو الديانة، حتى لقد كانوا يعدّونها المصدر الأوحد للشريعة والدين، ويعتبرون إهمالها خطأً جسيماً ومخالفة خطيرة للقواعد المعروفة والتقاليد المرعية التي لا يجوز الخروج عليها. وما يصدق على الأفعال يصدق كذلك على الأفكار الموروثة، إذ يتحتم على الجماعة ألا تُحدِث في هذا المجال شيئاً جديداً لا يوافق آراء أسلافها الأقدمين."
نكتشف من آراء جولد تسيهر كيفية فهمه للحديث الشريف، إذ يتضح أنه لم ينظر إليه بوصفه وحياً من عند الله، ولا باعتباره مصدراً أصيلاً للتشريع، وإنما تعامل معه على أنه انعكاس للعادات الاجتماعية والفكرية للأمة الإسلامية في عصورها الأولى. ومن خلال ذلك تتجلّى عدة ملامح أساسية في طرحه:
أولاً: أنّه قدّم رؤية اختزالية للسنة النبوية، فجعلها مجرد عادات وتقاليد متوارثة، لا وحياً معصوماً ولا تشريعاً ملزماً.
ثانياً: أنّه سعى إلى نزع القداسة عنها، وتصويرها بوصفها ظاهرة بشرية قابلة للنقد والتغيير، شأنها شأن أي ممارسة اجتماعية.
ثالثاً: أنّه حصر وظيفتها في كونها شرحاً لبعض الألفاظ الغامضة في القرآن الكريم، فاختزل مكانتها في دور ثانوي تابع، لا في مقام المصدر التشريعي الثاني.
رابعاً: أنّه حاول أن يُظهر الإسلام ديناً تقليدياً جامداً، يكتفي بتكرار الموروث، ويرفض أي جديد يخالف ما قاله الأسلاف، وهو تصوير بعيد عن حقيقة الإسلام القائمة على التجديد بضوابطه الشرعية.
خامساً: أنّ غايته الخفية من وراء هذا الطرح كانت زعزعة الثقة بالسنة النبوية في نظر المسلمين، وتقديمها للعقل الغربي على أنها نتاج بشري محض، مما يسقط عنها صفة الإلزام والقداسة.
وإذا أردنا الوقوف على مكانة الحديث النبوي في الإسلام، فإن المرجع الأوثق لذلك هو كتاب الله تعالى، إذ نجد فيه بيان منزلة الرسول ﷺ ومنزلة حديثه الشريف. فالقرآن يوضح أن من مهام الرسول التبيين والتفصيل لما أُنزل من الوحي، قال تعالى:
﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: 44).
وهذا يعني أن الرسول ﷺ كان يشرح بفعله وقوله كتاب الله ويبين أحكامه للناس. كما جعله الله قدوة وأسوة حسنة للمؤمنين، فقال سبحانه:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: 21).
وقد أكّد القرآن الكريم أهمية طاعة الرسول واتباعه في مواضع عدة، منها قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ (الأنفال: 20)،
وقوله: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (النساء: 80).
وبناءً على هذه الآيات الكريمة، يتضح أن طاعة الرسول ﷺ واجبة على كل مسلم، لأن طاعة الله تعالى لا تنفصل عن طاعة رسوله، بل هي متحققة بها. ومن هنا تتجلى المكانة التشريعية للحديث النبوي في الإسلام، باعتباره البيان العملي والشرح التطبيقي للقرآن الكريم.
ولهذا السبب وجَّه المستشرقون عنايتهم إلى الحديث النبوي، وجعلوه ميداناً رئيساً لدراساتهم. وكان غرضهم من ذلك الطعن في مكانته، والسعي إلى تحريف معانيه والتشكيك في صحته، في محاولة لزعزعة الثقة بمصدري التشريع الإسلامي: القرآن والسنة. وقد اتخذت محاولاتهم أشكالاً متعددة، من إثارة الشبهات حول تاريخ تدوين الحديث، إلى الادعاء بتأثره بالعادات والتقاليد، بل وبالديانات السابقة، غير أنّ هذه الجهود كشفت في النهاية عن قصور منهجهم، وعجزهم عن إخضاع الحديث النبوي لقواعد نقدية متماسكة يمكن أن تقوّض مكانته في وعي المسلمين أو في البناء التشريعي للإسلام.
والآن نقف على بعض اتهاماتهم الموجَّهة إلى الأحاديث النبوية الشريفة، لنبيّن الردود عليها.
اولا، لقد عقد جولد تسيهر فصلاً خاصاً حول تدوين الحديث في كتابه دراسات إسلامية، حيث شكّك في وجود صحف كثيرة للحديث في عهد الرسول ﷺ. أمّا شبرنجر، ففي كتابه الحديث عند العرب، فقد ذهب إلى أنّ التدوين لم يبدأ إلا في القرن الهجري الثاني، وأن السنة انتقلت قبل ذلك بطريق المشافهة فقط. بينما أنكر دوزي نسبة هذا "التراث المجهول" – على حدِّ تعبيره – إلى النبي ﷺ.
وقد أراد المستشرقون من وراء هذه المزاعم إضعاف الثقة بما امتازت به الأمة الإسلامية من استظهار السنة وحفظها في الصدور، والتشكيك في صحة الحديث النبوي، بل واتهامه بالوضع والاختلاق على ألسنة المدوّنين. كما زعموا أن ما جُمع من الأحاديث إنما كان انتقاءً لما يوافق الأهواء والميول، وأن الرواة لم يكونوا إلا ناقلين عمّن سمعوا، دون تحقق ولا تمحيص.
وقد ردَّ علماء أهل السنة والجماعة على هذه المزاعم، مؤكدين أن علماء الحديث قد وضعوا شروطاً دقيقة لقبول الحديث، تضمن نقله عبر الأجيال بأمانة وضبط، حتى يُؤدَّى كما سمع من رسول الله ﷺ. فقد اشترطوا في الراوي أن يكون صادقاً عدلاً أميناً، كامل الإدراك، متحلياً بالمسؤولية، مع قوة في الحفظ والضبط سواءً في صدره أو في كتابه أو بهما معاً، بحيث يستطيع أن يستحضر الحديث ويؤديه كما سمعه. ويتضح ذلك من خلال الشروط التي وضعها المحدِّثون للحديث الصحيح والحسن، والتي تكفل الثقة في الرواة وسلامة نقل الحديث في سلسلة الإسناد، مع خلوه من العلل الظاهرة والخفية. كما أن تطبيقهم الدقيق لهذه القواعد كان يصل إلى حد الحكم بضعف الحديث لمجرد غياب الدليل على صحته، دون انتظار دليل يعارضه.
كما أكّدوا أن تدوين الحديث قد بدأ منذ العصر النبوي نفسه، حيث دوّن الصحابة قسماً كبيراً من السنة، وتشهد بذلك النصوص التاريخية المبثوثة في تراجم رواة الحديث، إذ تثبت أنهم كتبوا الحديث بصورة واسعة، تدل على انتشار التدوين وكثرته في العهد الأول.
ثانياً:زعم "بروكلمان" أن النبي ﷺ استمد تعاليمه من خلال لقاءاته ببعض اليهود والنصارى في رحلاته، حيث قال: "وأغلب الظن أن محمداً ﷺ قد انصرف إلى التفكير في المسائل الدينية في فترة مبكرة جداً، وهو أمر ليس بمستغرب عند أصحاب النفوس الصافية."
ويواصل "ريتشارد" في كتابه مقدمة القرآن هذه المزاعم الباطلة، فيقول: "إن الجانب الأكبر من المادة التي استعملها محمد ليفسّر تعاليمه قد استمده من مصادر يهودية ومسيحية."
والرد على هذه الشبهة: لا ريب أنّ الإسلام يلتقي مع اليهودية والنصرانية في بعض القصص والمبادئ الأخلاقية والتشريعات، لأنّ هذه الأديان في أصلها وحي من عند الله تعالى، وكانت جميعها تدعو إلى عبادة الله وتوحيده. غير أنّ تلك الرسالات السابقة لم يتعهّد الله بحفظها، فدخلها التحريف والزيادة والنقصان، بخلاف ما جاء به النبي ﷺ من الوحيين: القرآن الكريم والسنّة النبوية المطهّرة، حيث تكفّل الله بحفظ دينه إلى قيام الساعة.
ومن هنا، فإن ما قد يظهر من تشابه بين بعض مضامين الحديث النبوي وما ورد في كتب أهل الكتاب لا يعني أنّ النبي ﷺ أخذ عنهم أو استقى منهم؛ بل يفسَّر بوحدة المصدر السماوي لهذه الأديان في أصلها، ثم جاء النبي ﷺ ليصحّح ما حُرّف منها ويكشف ما غُيّر.
ثم إنّ السنّة النبوية ليست اجتهاداً بشرياً من النبي ﷺ ولا تعبيراً عن ثقافات سابقة، وإنما هي وحي من الله كما قال تعالى:
﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 3-4].
والدعوى بأنّ النبي ﷺ أخذ مادّة أحاديثه من أهل الكتاب دعوى باطلة؛ إذ لم يثبت أنّه جالس علماءهم أو تلقّى عنهم علماً، وهو المعروف عند العرب بالأميّ الذي لم يقرأ كتبهم، بل كان أميناً صادقاً شهد له خصومه قبل أتباعه. فالسنّة النبوية إذن وحي إلهي مكمّل للقرآن الكريم، مستقلّ عن روايات اليهود والنصارى، وإن وافق بعضها في جزء من المضمون فذلك من بقايا الوحي القديم الذي اندثر أصله.
ثالثا:ومن جملة شبهاتهم أيضاً زعمُهم أنّ بين السنّة النبوية والقرآن الكريم تعارضاً في مواضع كثيرة، كما يدّعون أنّ السنّة نفسها تتناقض في بعض رواياتها، ثم يبنون على هذه الدعوى الباطلة نتيجة خطيرة، وهي أنّه لا حاجة للأخذ بالسنّة، أي بالأحاديث النبوية الشريفة.
لقد تصدّى علماؤنا الأفاضل لهذه الشبهة المزعومة، سواء أكانت تعارضاً موهوماً بين القرآن الكريم والسنّة النبوية، أم بين الأحاديث بعضها مع بعض. وممّا يذكره أصحاب هذه الدعوى من أمثلة التعارض بين القرآن والسنّة قول الله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: 20]، ثم ما ورد في الحديث الشريف: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب». فيظنون أنّ بين النصّين تناقضاً، وهذا غير صحيح؛ إذ لا تعارض هنا، وإنما هو من قبيل تخصيص العام، وهو أصل معروف من أصول الشريعة. فالآية الكريمة جاءت عامة، فجاءت السنّة فخصّصت هذا العموم بوجوب قراءة الفاتحة في الصلاة.
وهكذا يظهر أنّ السنّة النبوية هي البيان التفصيلي لما أجمله القرآن الكريم، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44].
وهكذا يتّضح لنا أنّ ما يثيره بعض المغرضين من افتراءات وشبهات حول السنّة النبوية المطهّرة لا قيمة له من الناحية العلمية، ولا يقوم على دليل صحيح أو منهج رصين، بل هو من قبيل الظنون والأوهام التي لا تثبت أمام الحقائق الراسخة. فالسنّة النبوية قد حظيت بعناية فريدة في تاريخ الأديان، إذ هيأت لها عناية الله تعالى رجالاً أفذاذاً من العلماء، نذروا أنفسهم لخدمتها، وحملوا لواءها جيلاً بعد جيل.
فقد وضع المحدّثون أدقّ المناهج وأحكم القواعد لقبول الرواية أو ردّها، فوضعوا شروطاً صارمة في الراوي تضمن صدقه وضبطه وعدالته، كما أحاطوا المتون بأصول علمية دقيقة تكشف عللها وتدفع عنها التحريف والدسّ. ثم دوّنوا الحديث في مصنّفات عظيمة منذ العصور الأولى، فحفظوه من الضياع، ونقلوه كما سمعوه، وصانوه من التبديل والزيادة والنقصان، حتى وصل إلينا صافياً نقياً كما خرج من مشكاة النبوة.
وليس غريباً أن تعجز شبهات الطاعنين أمام هذه الجهود العظيمة، وأن يظهر ضعف دعواهم وتهافت حججهم، لأن الباطل لا يصمد أمام نور الحق، ولأن الله سبحانه وتعالى قد تكفّل بحفظ دينه، فجعل من العلماء أمناء على وحيه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين».
فبجهود هؤلاء الأئمة العظام بقيت السنّة النبوية علماً متوارثاً، وحصناً منيعاً، ودليلاً واضحاً على صدق الرسالة، يردّ كيد الكائدين، ويكشف زيف المبطلين، ويؤكد أنّ هذا الدين محفوظ بحفظ الله له، وأنّ تلك الشبهات الواهية لا تعدو أن تكون فقاعات لا تلبث أن تتلاشى أمام الحق الثابت والبرهان الساطع.
المصادر والمراجع
- الإستشراق لادورد سعيد
- المستشرقون والحديث النبوي للدكتور محمد بهاء الدين
- افتراءات المستشرق كارل بروكلمان على السيرة النبوية للدكتور غيثان علي جريس
- صور من افتراءات المستشرقين حول الرسول محمد للدكتور بهجة كامل عبد اللطيف
- القران الكريم في دراسات المستشرقين للدكتور مشتاق بشير الغزالي
- دفاع عن السنة للدكتور محمد أبو شهبة
محمد شماس باحث دكتوراه بجامعة الزيتونة في تونس، ويحمل شهادتي ماجستير: إحداهما في اختصاص العقيدة والفلسفة من جامعة الزيتونة، والأخرى في اللغة العربية من جامعة مولانا آزاد الوطنية بالهند. تخرج شماس في جامعة مركز الثقافة السنية في الهند، ولديه سجل بحثي نشط يتضمن عدة مقالات منشورة في مجلات دولية ومحلية، بالإضافة إلى مشاركات واسعة بتقديم البحوث والأوراق العلمية في الندوات والمؤتمرات المتخصصة.
![]() |
| ألفرد جيوم |
![]() |
| إجناتس جولدتسيهر |

