محّمد رسول الله ﷺ تأمّلات في كمال إنسانيّته


إعداد:آصف أبوبكر الثقافي 


في كل أمة من الأمم، يُضرب المثل بالكمال في أسمى صوره، وتُنسج حول العظماء الأساطير، وترتفع الأوصاف فوق المدارك لكن ما عرفَت البشرية كمالًا حقيقيًا في صورة إنسانية إلا في شخص سيدنا محمد بن عبد الله ﷺ ذلك الإنسان الذي جمع بين صفاء الروح ونقاء القلب، وبين رجاحة العقل وسموّ الخُلق، وبين عبادة العابدين وقيادة القادة، وبين بساطة العيش وجلال النبوة.

لقد كان محمد ﷺ إنسانًا يعيش بين الناس، لكنه في كل جانب من جوانب حياته كان مثالًا يُحتذى، ونموذجًا يُتبع، وهدى يُستنار به، حتى قال الله فيه: وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيم  [القلم: 4]وقال كل من عرفه من أصحابه: "ما رأيت أحدًا أحسن خلقًا من رسول الله ﷺ".

في هذه المقالة، نحاول أن نقترب من بعض صور كماله البشري، في سيرته، وخلقه، وحكمته، ومواقفه؛ ليزداد المُحب حبًّا، ويعرف الجاهل قدرَه، ويشهد القلب والعقل أن محمدًا ﷺ هو الإنسان الكامل بحق.


محمد ﷺ في علاقته بربّه: قمّة العبوديّة والخضوع

من أعظم جوانب كمال النبي ﷺ عبوديته الخالصة لربه، فقد بلغ الذروة في الخشية والعبادة، وكان دأبه قيام الليل، وطول السجود، والدعاء بتذلل وافتقار، حتى تورّمت قدماه، وقال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا؟".امتدحه الله -تعالى- في القرآن بوصف العبد كما في قوله: سُبحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسرَىٰ بِعَبدِهِ [الإسراء: 1]؛ لأن العبودية لله هي أشرف المقامات.

في غزوة بدر، بات الليل كله يناجي ربه ويستغيث، وفي صلاته كان يقرأ طوال الليل بتدبر وخشوع.وكان يُكثر الذكر في جميع أحواله، ويعيش كأنما يرى الله، ويؤدي كل عبادة بمحبة وتعظيم، فقد جسّد ﷺ حقيقة قوله تعالى: قُل إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلعَٰلَمِينَ [الأنعام: 162فهو بحقّ العبد الكامل، والمثل الأعلى في الطاعة، والخضوع لله.


محمد ﷺ في خُلُقه العام: الكمال في المعاملة

كان خُلُق النبي ﷺ تجسيدًا عمليًا للقرآن، كما قالت سيدتنا عائشة: "كان خُلُقه القرآن" بلغ في الأخلاق غايات الكمال: تواضعٌ مع الكبير والصغير، حلمٌ مع الجاهل، عفوٌ عن المسيء، وصدقٌ لا يفارقه.لم يضرب خادمًا، ولا انتقم لنفسه قط، بل كان يحب الخير للناس جميعًا، ويرحمهم، ويصبر على أذاهم، وكان أكرم الناس وجهًا، وألينهم عريكة، وأوسعهم صدرًا.قال تعالى مادحًا خُلُقه: وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيم [القلم: 4]

فجمع الله له عظمة المقام وكمال الصفات.وقد قال أنس -رضي الله عنه-: "خدمتُ رسولَ اللهِ عشرَ سنينَ ، فما قال لي أُفٍّ قطُّ ، وما قال لي لشيٍء صنعتُه : لِمَ صنعتَه ، ولا لشيٍء تركتُه : لِمَ تركتَه؟" لقد كان خُلُقه ﷺ نبراسًا يهتدي به الناس، فدخلوا في الإسلام لمّا رأوا عدله وصدقه ووفاءه.


محمد ﷺ قائدًا ومُصلحًا: حكمة وحَنْكَة وشجاعة 

لم يكن ﷺ قائدًا عسكريًا فقط، بل كان مصلحًا اجتماعيًا، وداعيةً إلى السلم، وبانيًا لأمة على أساس العدل، والإيمان.أسس دولة المدينة على وثيقة تحفظ الحقوق، وتضمن التعايش.كان يستشير أصحابه، ويتواضع لهم، ويُجيد اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب. وفي بدر خطط بحكمة، وفي الحديبية قَبِلَ الصلح رغم ظاهره القاسي، وفي فتح مكة عفا وهو قادر.كان يجمع بين الشجاعة في الميدان، والرحمة في الحكم، والعدل في القيادة.وقد قال علي رضي الله عنه: "كنا إذا احمرّ البأسُ، ولقي القوم القوم اتقينا برسول الله فما يكون منا أحد أدنى من القوم منه".أدار الدولة النبوية بالوحي والعقل، وربّى جيلًا من القادة والفقهاء والمجاهدين، فصارت رسالته أنجح مشروع إصلاحي في تاريخ البشرية.


محمد ﷺ في بيته: زوجًا وأبًا وجدًا

كان النبي ﷺ في بيته مثالًا للحنان، والعدل، والخلق العظيم عاش مع أهله بتواضع ومحبة، يَخيط ثوبه، ويخصِفُ نعله، ويخدم نفسه، ولا يتعالى عليهم، قالت أمنا عائشة –رضي الله عنها- حين سئلت ما كان النبيُّ يصنع في أهله؟: "كان في مِهْنَةِ أهله، فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة".

كان يعدل بين زوجاته، ويُحسن إليهن، ويمازحهن، ويُدخل السرور إلى قلوبهن، ويصبر على غيرتهن.أما بناته ﷺ فكان يُكرمهن غاية الإكرام، فكان إذا دخلت فاطمة قام إليها، وقبّلها، وأجلسها في مجلسه.وكان ﷺ حنونًا على أحفاده، يحملهم ويصلي بهم، ويُلاعبهم، ويقول - بيده الحسن-:"ابْنِي هذا سَيِّدٌ، ولَعَلَّ اللَّهَ أنْ يُصْلِحَ به بيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ".لقد جسّد ﷺ القدوة في التعامل الأُسري، وعلّم الأمةَ أن البيتَ ميدانُ عبادة ورحمة، لا كِبر فيه ولا قسوة.


محمد ﷺ في علاقته بأصحابه: المعلم والمربي

كان ﷺ يحب أصحابه حبًّا صادقًا، ويعاملهم بحكمة ورحمة وتواضع، علّمهم دون تعنيف، وربّاهم دون غلظة، وكان يُشاورهم ويُقدّرهم، ويخصّهم بالدعاء، ويُثني على من أحسن.يخاطبهم بأسمائهم، ويُظهر الفرح بلقائهم، ويُشجعهم على الخير قال أنس: "ما رأيت أحدًا أحسنَ خلُقًا من رسولِ اللهِ ﷺ ".كان يحتمل أخطاءهم، ويرشدهم بلطف، حتى قال له الله: فَبِمَا رَحمَة مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُم [آل عمران: 159].وكان يحبهم حبًا بالغًا، حتى قال في مرض موته: "بل الرفيق الأعلى" بعد أن سأل: "أصلى الناس؟"حرصًا على الاجتماع بهم.لقد رباهم على الإخلاص، وعلمهم أن يكونوا قادة للعالم، فانطلقوا برسالته ينيرون الأرض عدلًا ورحمة.


محمد ﷺ والرحمة العامة: رحمةٌ مُهداة للعالمين

كان النبي ﷺ رحمةً تمشي على الأرض، لا يقتصر عطاؤه على المؤمنين فقط، بل شمل بره جميع الخلق: الإنسان، والحيوان، والجماد. قال تعالى: وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ  [الأنبياء: 107] رحم الصغار، وواسَى الضعفاء، وأكرم العبيد، وعفا عن أعدائه.حين أُوذي في الطائف، وسالت دماؤه، قال:"اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون".

وفي فتح مكة، عفا عن من آذوه وقال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".حتى في ساحة الحرب،كان ينهى عن قتل الأطفال والنساء، ويأمر بالإحسان إلى الأسرى.وروي عنه ﷺ:"في كل ذات كبدٍ رطبة أجرٌ" –.رحم الحيوان، فقال لمن رأى طيرًا يُفزع: "من فَجع هذه بولدها؟ رُدُّوا ولدها إليها".وكان يقول:"لا تتخذوا ظهور دوابّكم كَراسي".إنها رحمة ممتدة، لا تنبع من ضعف، بل من قلب عظيم، يسع العالمين.


محمد ﷺ في شخصه وصفاته: الجمال الظاهريّ والباطنيّ

جمع النبي ﷺ بين جمال الروح والخلق، وجمال الهيئة والمنظر فقد كان جميل الوجه، بديع الخِلقة، مُهاب الطَّلعة، متوازن القسمات قال أبو هريرة –رضي الله عنه-:"ما رأيت شيئًا أحسن من رسول الله ﷺ، كأن الشمس تجري في وجهه".وكان ﷺ معتدل الطول، واسع العينين، كثّ اللحية، إذا تكلّم كأن النور يخرج مِنْ فِيه.وكانوا لا يقدرون على وصفه وصفًا كاملًا.

قال أنس: "ولا مسستُ خَزًّا ولا حريرًا ولا شيئًا كان ألينَ من كفِّ رسولِ اللهِ، ولا شممتُ مِسكًا قط ولا عطرًا كان أطيبَ من عَرَقِ النبيَّ".أما جماله الباطني، فأعظم وأجلّ؛ إذ جمع بين الحياء، والوقار، والبساطة، والسكينة، والخشية، والحكمة.وكان إذا مشى كأنما ينحدر من صَبَب، وإذا سكت علاه الوقار، وإذا تكلّم أسر القلوب.كان الصحابة يتبركون برؤيته فهو بحق: جميل الخَلق والخُلق، ظاهرًا وباطنًا، صورةً وسيرة.


محمد ﷺ في مواقفه الحاسمة: الكمال في الثبات والمبدأ

تميّز النبي ﷺ في المواقف الصعبة بثبات لا يُضاهى، ورباطة جَأْش فريدة، لا تُحركه التقلبات، ولا تُغريه العروض الدنيوية.عُرضت عليه الملك، والمال، والنساء؛ ليترك الدعوة، فقال كلمته الخالدة:"والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر ما تركته".في الطائف، جُرح وأُهين، فاختار العفو والدعاء، لا الانتقام.وفي الحديبية، قَبِل بشروطٍ ظَاهرها الجورُ؛ حفظًا لمصلحة عُليا.وفي فتح مكة يوم التمكين عفا عن من نكّل به، وقال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".مواقفه كانت ميزانًا دقيقًا بين الحكمة والحزم، وبين الرحمة والعدل، وبين المبدأ والمصلحة، فكان في كل مرة صاحب قرارٍ يُرضي الله، ويهدي الخلق.


الخاتمة: محمد ﷺ الإنسان الكامل 

هكذا تتجلى شخصيّة محمد ﷺ في أبهى صورها:نبيٌّ متصل بربه، كريم في خُلقه، حكيم في قيادته، رحيم في معاملته، جميل في ذاته، راسخ في مواقفه، فكان بحقّ الإنسان الكامل.لم يكن كامله بمعزل عن بشريته، بل في صميمها لم يكن قدوة في الصلاة فقط، بل في السوق، وفي البيت، وفي الحرب، وفي الحكم ولم يكن نورًا في المحراب فقط، بل في كل دربٍ سار فيه.وإذا أرادت الإنسانية أن ترى مثالًا أعلى تتحد فيه الروح والعقل، والرحمة والعزة، والخلق والقيادة، فلتنظر إلى محمد ﷺ.فهو كما وصفه ربه: لَّقَد كَانَ لَكُم فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسوَةٌ حَسَنَة [الأحزاب: 21].وكما قال هو عن نفسه:"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".وصلى الله عليه وسلم عددَ الكمالات، وطيب الصفات، وجمال السِّيَر، ما دام الليل والنهار.

 

إرسال تعليق

أحدث أقدم