العزلة المفقودة: كيف سلبتنا الهواتف مساحة اللقاء مع الله؟

 




لقد ألغت الهواتف المحمولة ذلك الوضع الهادئ الذي كان يختلي فيه الإنسان بنفسه في عالمه الباطني، ليحظى بلحظات خاصة روحية يناجي فيها مع الله ويأنس بالسكينة. لقد أجبرت هذه الأجهزة الإنسان على أن يكون متصلاً دائمًا بالعالم الخارجي، وأبعده أن من ذلك العالم الباطني الذي هو الأجمل والأقرب للاتصال بالله تعالى، مع أن جعلته اليوم غير قادر على الانقطاع عن الخارج، إذ تحاصره الإشعارات وتضايقه الاتصالات التي تجعله منغمسًا في العالم الخارجي بشكلٍ دائم، وهذا نتيجة تقدم التكنولوجيا وما فرضته عليه البنية الاجتماعية الجديدة لعصر الإعلام ووسائل التواصل.


والحقيقة أن الإنسان لا يحتاج إلى معالجة كل هذه الكمية وإلى التعرض لهذا الكثرة من المعلومات والمنشورات، فالتاريخ الإنساني لم يشهد من قبل هذا القدر الهائل من البيانات التي يتوجب على الإنسان التعامل معها يوميًا، ولهذا يقول الخبراء إننا بحاجة ماسة إلى “حميةٍ معلوماتية” (Information Diet)، كما نلتزم بالحمية الغذائية في الطعام. فكما أن تناول الأطعمة غير الضرورية يسبب أمراضًا للجسد ويخلّ بالتوازن الصحي، فنضطر إلى اتخاذ العالاج والتمارين الرياضية وتنظيم الطعام، فإن استقبال المعلومات غير الضرورية يسبب اضطرابًا في النفس والعقل. فيكون العلاج في عالم التقنية بتنظيم ما نتلقاه من معلومات والامتناع عن الزائد منها. فالإفراط في استهلاك البيانات والمحتوى يؤثر سلبًا على الصحة النفسية والجسدية معًا.


وأخطر ما نتج عن هذا الواقع هو فقدان الإنسان لخصوصيته الروحية التي كانت بينه وبين الله. ففي أوروبا مثلًا، نرى أعدادًا متزايدة من الناس يدخلون في الإسلام، والذي يفهم من هذه الإحصاءات أن أكثر هؤلاء قد جرّبوا في سنٍّ مبكرة واستمتعوا كل متع الحياة المادية، حتى انتهى بهم الوضع إلى فراغٍ روحي عميق جعلهم يتساءلون: ما الغاية من الحياة بعد هذا كله؟ فكان الجواب عندهم هو الإسلام. وهذا يدل على أن الإنسان لا يمكن أن يجد راحته النفسية والجسدية إلا إذا كان له فضاءٌ خاص ومساحة روحية يخلو فيه بنفسه ليسجد أمام خالقه ويتأمل وجوده ويتطهر من ضوضاء الحياة. 


ولا شك أن أكبر تحدٍّ يواجه هذا الفضاء الداخلي اليوم هو الهاتف المحمول. لقد غزا الهاتف كل الأماكن واحتل كل المراحل التي كان الإنسان يستطيع فيها أن يتصل بالله بهدوء: في الصلاة، وفي المساجد، في الحج والعمرة، في الحرمين الشريفين، وفي مجالس الخير، وفي لحظات تلاوة القرآن، بل حتى في خلواته الخاصة، فلا يوجد لهذه الأزمة إلا الحل الوحيد، هو ما سبق الإشارة إليه: الحمية المعلوماتية، أو بعبارةٍ أبسط، إبعاد الهاتف ووضعه جانبًا لبعض الوقت، حتى يكون الإنسان يتمتع بصحته النفسية ما دام حيا وويكون غير محروم من حظه الروحاني مع ربه تعالى

إرسال تعليق

أحدث أقدم