يعد التقويم الهجري جزءا مهما من هوية الأمة الإسلامية وتاريخها الحافل، فهو توثيق لحدث عظيم غير مجرى التاريخ، ألا وهو الهجرة النبوية الشريفة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة. وقد ارتبط هذا التقويم بتاريخ الأمة وحضارتها وعباداتها، إذ تحدد به مواقيت الصيام والحج والزكاة وسائر المناسبات الدينية، مما جعله حاضرا في حياة المسلمين عبر العصور.ومن الواجب على المسلم، أن يتعرف على قصة نشأة هذا التقويم، وأسباب اعتماد الهجرة النبوية مبدأ له، والدلالات التاريخية واللغوية لأسماء شهوره، وما تحمله من معان ومناسبات ارتبطت بحياة العرب والمسلمين. فمعرفة هذه الجوانب تزيد المسلم ارتباطا بتاريخه، وتنمي في نفسه الاعتزاز بهويته الإسلامية وتراثه العريق.
نظامه ودوره في ضبط الوقت
التقويم الهجري هو نظام زمني يعتمد على الدورة القمرية لتحديد الأشهر، حيث يبدأ الشهر برؤية الهلال وينتهي بظهوره في الدورة التالية. ويتكون العام الهجري من 12 شهرا، وتتناوب الأشهر في تعدادها بين 29 و30 يوما. وبسبب اعتماد هذا النظام على حركة القمر، فإن السنة الهجرية تقل عن السنة الشمسية بنحو 11 يوما، مما يجعل المناسبات الإسلامية الكبرى كالحج وشهر رمضان تنتقل عبر الفصول الأربعة بمرور السنوات. ويعتبر التاريخ الهجري واحدا من أربعة تواريخ كبرى يضبط العالم ساعته عليها.
منشأه وقرار اعتماده
رغم أن العرب قبل الإسلام كانوا يعرفون شهور السنة القمرية ويستخدمونها، إلا أنه لم يكن لديهم تقويم رسمي محدد بالسنوات يؤرخون به أحداثهم، بل كانوا يربطون تاريخهم بأحداث كبرى مشهورة، مثل عام الفيل الذي ولد فيه النبي صلى الله عليه وسلم، أو حرب الفجار، أو عام إعادة بناء الكعبة المشرفة.
واستمر الوضع على هذا الحال طوال عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه. وتغير الأمر في السنة السادسة عشرة أو السابعة عشرة من الهجرة عندما تولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخلافة، حيث كتب إليه أبو موسى الأشعري أمير البصرة قائلا: "يا أمير المؤمنين، تأتينا الكتب، وقد أرخ بها في شعبان، ولا ندري أي شعبان هذا، هل هو في السنة الماضية؟ أم في السنة الحالية؟". حينها جمع عمر بن الخطاب الصحابة واستشارهم، فروى سعيد بن المسيب أن عمر سألهم: "من أي يوم يكتب التاريخ؟"، فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "من يوم هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك أرض الشرك"، فوافق عمر على ذلك. كما أكد الصحابي سهل بن سعد رضي الله عنه أن الصحابة لم يختاروا بداية التاريخ من وقت بعثة النبي ولا من وقت وفاته، وإنما بدأوا الحساب من وقت مقدمه إلى المدينة المنورة.
الحكمة من جعل الهجرة النبوية بدايته
لم يكن اختيار الهجرة النبوية حدثا عابرا، بل جاء لأسباب عميقة جعلتها تستحق أن تكون بداية التاريخ الإسلامي، ومن أهم هذه الأسباب:
تأسيس الدولة: كانت الهجرة هي البداية الحقيقية لإقامة بنيان الدولة الإسلامية القوية، بعد سنوات من الضعف والاضطهاد الذي تعرض له المسلمون في مكة.
التضحية والثبات: مثلت الهجرة معاني سامية في التضحية والثبات على الدين، حيث ترك الصحابة أوطانهم وأموالهم وأهليهم نصرة للعقيدة، ولذلك مدحهم الله تعالى في القرآن الكريم فقال: {للْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}.
التفريق بين الحق والباطل: عندما استشار عمر الصحابة، قال كلمته المأثورة: "الهجرة فرقت بين الحق والباطل فأرخوا بها".
سبب بدئه بشهر المحرم
من الحقائق التاريخية أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقدِم المدينة المنورة في شهر محرم، بل وصلها مهاجرا في شهر ربيع الأول يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة خلت من الشهر. فلماذا بدأ التقويم من شهر محرم؟
عندما تشاور الصحابة، اقترح بعضهم أن تبدأ السنة بشهر رمضان، لكن عمر رضي الله عنه قال: "بل بالمحرم فإنه منصرف الناس من حجهم"، فوافق الجميع على ذلك لأن محرم هو أول شهور العرب قديما. وقد لخص العلماء أسباب اختيار شهر محرم في نقاط مهمة:
بداية العزم على الهجرة: قيل أن الصحابة لم يؤرخوا بوقت البعثة لوجود خلاف في تحديد وقتها، ولم يؤرخوا بوفاة النبي لما في تذكره من ألم وحزن، وإنما جعلوه من أول محرم لأن بداية العزم الفعلي على الهجرة كانت فيه، حيث تمت بيعة العقبة الثانية في شهر ذي الحجة، فكان أول هلال ظهر بعد البيعة هو هلال شهر محرم. وأكّد ابن حجر رحمه الله أن هذا أقوى توجيه لمناسبة الابتداء بالمحرم.
ارتباطه بالعبادات والأيام المباركة: ذكر الحافظ السخاوي أن اختيار محرم جاء لكونه شهر الله، وفيه يكسى البيت الحرام، وفيه يوم تاب فيه قوم فتاب الله عليهم.
تقسيمات الشهور ومعاني أسمائها
قسم العرب شهور السنة الاثني عشر إلى قسمين:
١. الأشهر الحرم (وعددها أربعة: ذو القعدة، ذو الحجة، محرم، ورجب): وسميت بذلك لأن القتال كان محرما فيها عند العرب في الجاهلية وبقي الحال كذلك في الإسلام تعظيما لها.
٢. الأشهر الحل (وعددها ثمانية: صفر، ربيع الأول، ربيع الآخر، جمادى الأولى، جمادى الآخرة، شعبان، رمضان، وشوال): وسميت بذلك لأن القتال فيها كان حلالاً مشاعاً.
أما معاني أسماء هذه الشهور فقد جاءت لتصف أحوال العرب والطقس وقت تسميتها:
محرم: سمي بذلك لتأكيد تحريم القتال فيه.
صفر: لأن العرب كانوا يخرجون فيه للقتال ويتركون بيوتهم صَفْراً أي خالية.
ربيع الأول وربيع الآخر: لافتتاح تسميتهما في فصل الربيع، وقيل لخصوبة الأرض بما غنمه العرب من أسلاب في صفر.
جمادى الأولى وجمادى الآخرة: لجمود الماء فيهما بسبب البرد القارس وفصل الشتاء.
رجب: مشتق من الترجيب وهو التعظيم والمهابة.
شعبان: لأن العرب كانوا يتشعبون ويتفرقون فيه بحثا عن الماء، أو يتشعبون للقتال بعد كفهم عنه في رجب.
رمضان: مشتق من الرمضاء وهي شدة الحر، وهو شهر الصيام المبارك.
شوال: نسبة إلى الإبل التي تشول أذيالها (ترفعها) في بداية برد الشتاء.
ذو القعدة: لأن العرب كانوا يقعدون فيه عن القتال والسفر تعظيما للأشهر الحرم.
