بلال بن رباح: قصة التوحيد وشدو المحبة النبوية

إعداد: محمد شماس 

"هذا يوم الفرح؛ لأني أتمكن غدا من رؤية حبيبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه"، كانت هذه كلمات سيدنا بلال بن رباح -رضي الله عنه- حين فارق الدنيا، والموت لنا تجربة مخيفة، والأغلبية منا يترقبه بفزع، ولكن أهل الإيمان والصفاء كانوا مشتاقين إليه لما رأوا فيه لقاءً مع الحبيب -صلى الله عليه وسلم، فلهذا كانوا يستقبلونه بفرح ويرحّبونه بحفاوة، كم من الصالحين فارقوا الدينا مبتسمين!؟ وفي طرب مما يسمع من هتف البشارات وفي شوق إلى ما أعد الله لهم!، وهكذا كان وفاة سيدنا بلال بن رباح-رضي الله عنه-، كيف لا يفرح وهو الذي بشر بالجنة ليلة الإسراء، سأله النبي -صلى الله عليه وسلم-: ما هو العمل الصالح الذي قدمت به؟ فقد سمعت صوت نعليك في الجنة ليلاً؟ فكان جوابه "ما تركت وضوءا إلا صليت بعده". (كما أخرجه الترمذي وأحمد مع تصرف يسير).

الحياة التي عاشها سيدنا بلال -رضي الله عنه- كانت عامرة بعظات ودروس من التوحيد، ويمكن من خلالها إدراك المعاناة والألم والمشقة التي واجهها أوائل المؤمنين في الإسلام، والقيم الاجتماعية والإنسانية التي بناها الإسلام من خلالهم بعد أن كانت مطموسة تحت تراب الجاهلية،. وكان سيدنا عبدا من موالي مكة، لقد تكبد في سبيل الإسلام رغم ضعفه أمورا قاسية عنيفة مما لا سبيل إلى وصفه، فلا يستطيع أحد أن يسمع تلك الحوادث إلا بعين دامعة وقلب منشق، فقد أُلصق وجهُه بالتراب وأُضجِع في الرمال الحارقة في الظهيرة، ووضعت على صدره صخرة كبيرة فوق طاقة البشر، وآخر ما يقوله المعذبون: "ارجع عن دين محمد! دينك اللات والعزى"، فكان سيدنا لا يزيد عن قول: "أَحدٌ، أَحدٌ"، فبقيت هذه الكلمات صرخة توحيد خالدة في تاريخ الإسلام رغم الألم والجوع والعذاب، فلما رأى سيدنا أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- أخاه هذا يضطهد إلى هذا الحد من أجل دين الحق قام بشرائه فأعتقه لوجه الله، فهي تجسد مبدأ الإيمان الراسخ ورفض الشرك والكفر ولو كان ثمنه هو الحياة نفسها، -رضي الله عنهم- أجمعين.

قصة الإسلام في العهد النبوي الشريف ترسم للبشرية رموزا عديدة من كل أنواع الحياة، وكان سيدنا بلال بن رباح لصوته العذب مؤذنا رسميا للنبي -صلى الله عليه وسلم- في المدينة، فكان أول من رفع صوت النداء في تاريخ الإسلام، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "يا بلال، قُمْ فأذّن، لا يسمع نداءك أحد إلا شهد لكَ يومَ القيامة."، (أخرجه أحمد). وهذه هي صورة أخرى للمبادئ الإسلامية الراقية حيث أحلت سيدنا بلال منصب مؤذن الرسول العالي بدون أي تفرقة عنصرية أو طبقية. على أنه حاز شرفا آخر مما يطمع كل صحابي أنه تم اختياره من النبي -صلى الله عليه وسلم- لموقف عظيم، حين فتح مكة في السنة الثامنة الهجرية رقى سيدنا بلال إلى سقف الكعبة ورفع الأذان بأمر من النبي -صلى الله عليه وسلم-، ما هذا الجمال الذي أظهره الإسلام للعالم!

لقد جسد الصحابة الكرام المحبة الصادقة أحسن تجسيد في حياتهم، أولعوا بالحب حتى لم لكن لهم من الدنيا سوى الحبيب شيء، وواجهوا في سبيله فوق ما يتخيل البشر، فلم يبتسم سيدنا خبيب حين علق عنقه في حبل الإعدام إلا من أجل الفرح من تضحية الحياة للحبيب -صلى الله عليه وسلم-، وحين عذبت سيدتنا سمية بتعذيبات تقشعر لها الأبدان عند سماعها بكت بكاء الإيمان والصبر وما ذلك إالا من أجل الحبيب-صلى الله عليه وسلم-، وذلك حب جعلهم يتلقون السهام المتجهة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بصدورهم تضحية له، ومن أعظم من مثّل هذه المحبة في حياتهم سيدنا بلال بن رباح -رضي الله عنه-.

ولا يشكن أحد في أن من يستمع إلى حكايات سيدنا بلال بن رباح من العشق والحب للنبي -صلى الله عليه وسلم- لا يستطيع أن يكملها إلا بقلب يئن من الوفاء له، فملامح الحب في حياته ما كانت مجرد عاطفية قلبية أو صور أجوف، بل هي تضحية وولاء عملي ومواقف جعلت الروح فداء المحب وكرست الحياة للدفاع عنه وعن دينه الحنيف، فكان قلبا ينبض بحب محمد -صلى الله عليه وسلم- ولسانا يرفع اسم حبيبه كل يوم وجسدًا صبر في سبيله وصوتا أبكى المدينة كلها، وكان سيدنا من الأوائل الذين آمنوا برسالة سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-، رغم أنه كان عبدا لا يملك من شأنه شيئا وليس له ما يدافع به عن نفسه قبيلة أو أهلا أو مالا، لكنه تثبت على الحق والإيمان وصدّق وأحب النبي -صلى الله عليه وسلم- حبا شديدا، فتحمل من أجل الحبيب ما لا يتحمله بشر، طُرح في رمضاء مكة، وجُرِّد من ثيابه وأُلقيت عليه صخرة، وكل هذه المرة لا يزيد إلا أن قال: "أحدٌ، أحدٌ"، وما أحسن الفرصة التي قيضها الله له حين انتقم من سيده أمية يوم بدر لأبلغ انتقام ينتقم العبد المظلوم لمولاه الظالم، حتى رئي أمية ذلك اليوم يتجرع الذل والخزي الذي أوثره هذا اليوم أكثر من الألم والضرب، وبعد أن أعتقه سيدنا أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- أصبح في حياته من خواص النبي صلى الله عليه وأكثر الناس إليه قربا، فصار يرافقه ويخدمه في حضره وسفره ويستأذن له على الناس وكان النبي يثق به ويكرمه.

بعد أن أمره النبي بالأذان صار صوتا يسمعه المسلمون خمس مرات في اليوم، فكان يرفع الأذان من سويداء نفسه باسم حبيبه "أشهد أن محمدا رسول الله" شهادة الحق والحب والوفاء، ذات يوم وقف على ظهر الكعبة ورفع بالأذان في فتح مكة، ونصبت راية الحق "لا إله إلا الله"، وسكتت أصوات الشرك، ورد الله الجاهلية إلى نحرها، فإذا هذا العبد الحبشي الذي لم يكن له قبل الإسلام إلا الذل والهوان صار اليوم فوق رقاب سادات الجاهلية عزيزا شامخا.

ولم يكن سيدنا مجرد ناقل للصوت، بل كان واسطة النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الطمأنينة، فكان صوته عند النبي صلى الله عليه أذان راحة لا أذان تكليف، فكان -صلى الله عليه وسلم- يشتاق إليه ويجد فيه راحته، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يا بلال، أقم الصلاة، أرحنا بها" (أبو داود)، كأن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول لبلال: " نادي للصلاة فإن فيها راحة قلوبنا".

بعد وفاة الحبيب -صلى الله عليه وسلم- ارتحل سيدنا بلال إلى الشام وعاش بعيدا عن المدينة المنورة؛ لأنه لم يكن يحتمل أن يراها بدون الحبيب -صلى الله عليه وسلم-، فلما بلغه خبر وفاته -صلى الله عليه وسلم- اهتز قلبه خزنا، فكأنه لا يجد نورا في حياته بعد الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وإذ حاول أن يؤذن بعد الوفاة، فلما وصل إلى قوله: "أشهد أن محمدا رسول الله" اختنق صوته وانشق قلبه من شدة الحزن، وبكى فبكى الناس لبكائه فتركه تماما بعد ذلك، وسافر إلى الشام وظل فيها حتى وفاته بعيدا عن المدينة المنورة، فمرة زارها في عهد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، فتوسل الناس إليه أن يؤذن فأذن كما يؤذن لرسول الله صلى الله عليه، فلما وصل إلى شهادة الرسول انفجر هو والناس بكاءً حتى لم ير في المدينة يومٌ أكثر بكاء من ذلك اليوم، فبكى الصحابة على بكرة أبيهم، وخرجوا وهم ينوحون من شدة الشوق والحزن على رسول الله صلى الله عليه.

هكذا تبقى سيرة سيدنا بلال -رضي الله عنه- مصباحا منيرا في درب الإيمان والثبات، ومنارة في دوحة الحب النبوي، وهي تعلمنا أن طريق الحق لا يكون مفروشا بالورود والأزهار، بل مليء بالصبر والتضحية والوفاء، لقد أظهرت للعالم مثالا عظيما لحياة المؤمن ولمواقف المحب ومعنى التوحيد، وكان لصوته وقع في القلوب حيث لا ينساه سامع، فعلى من يريد أن يكون صادقا في اتباع النبي صلي الله عليه وسلم أن يستلهم من حياة الصحابي الجليل سيدنا بلال -رضي الله عنه- القيم الأخلاقية الراقية، حتى نلقى الله وهو راض عنا.

أحدث أقدم