إعداد: محمد النوراني التزوي
هو عالم جليل، وشاعر عبقري، ومصلح مقتدر، أودع بحوراً من العلوم والمعارف الشرعية في أوراق بسيطة ومنظومات شعرية سلسة. يعد الشيخ تزوى من أبرز أعلام القرن العشرين في ولاية كيرلا الهندية، ولا سيما في مجالات الفقه والأخلاق والدعوة والإرشاد. ويكفي منجزُه الخالد، منظومة "المواهب الجلية"، شاهداً على تبحره في العلوم، وسعة إدراكه، وعلو كعبه في صياغة المعقد من المسائل في قالب شعري يستوعبه الخاطر ويسهل حفظه. لقد استطاع هذا العالم الرباني أن ينقل للسامعين والقراء حصيلة زاخرة من قصص السلف، وعلوم الشريعة، والعبر التاريخية، والمشاعر الإيمانية الصادقة، فحلّت كلماته في شغاف القلوب، واستقرت في أرواح مريديه ومحبيه.
ولد الشيخ في بلدة "تزوى" التابعة لمنطقة "كوولم" في جنوب ولاية كيرلا، وكان ذلك في يوم الأربعاء، العاشر من شهر أغسطس. نشأ في بيت صلاح وتقوى؛ إذ كان والده عبد القادر، المنتسب إلى أسرة "بلار شيرل"، رجلاً مكافحاً يعمل في التجارة، وكانت أمه فاطمة امرأة صالحة حرصت على تربيته التربية الإيمانية. وفي مبدأ الأمر، رغب والده أن يسلك ابنه مسلكه في عالم التجارة والأعمال، بيد أنه سرعان ما لاحظ على ولده ألمعية مبكرة، وشغفاً عارماً بالتعليم وتلقي العلوم الشرعية. ولما رأى الأب هذه الرغبة الصادقة والأهلية الظاهرة، نزل عند رغبة الابن ودعمه بكل ما أوتي. وهكذا أُقيم له حلقة درس علمية في مسجد بلدة "تزوى"، حيث بدأ يرتشف مبادئ العلوم الدينية واللغوية على يد شيوخ بلده، وتزود بشتى ألوان المعرفة الشرعية في سن مبكرة.
تطلع الشيخ إلى التعمق في المعارف الإسلامية، فانتقل للتلقي في "جامعة حسنية" الشهيرة الواقعة في مدينة "كايامكولم"، وهي إحدى أكبر وأعرق المؤسسات العلمية في جنوب ولاية كيرلا آنذاك. وفي ربوع هذه الجامعة الفتية، التقى بنخبة من كبار العلماء والمربين الذين كانوا كالنجوم يهتدى بهم في علوم التفسير والحديث والفقه والأصول. وقد أثر هؤلاء الشيوخ في شخصيته تأثيراً بالغاً، حتى إنه بعد وفاة بعض أساتذته العظام، جادت قريحته الشعرية بمرثية مؤلمة تفيض بالوفاء والحزن على فراقهم.
بعد أن أكمل حصيلته العلمية واستوى على عوده، عاد إلى مسقط رأسه في "تزوى"، وأنشأ درساً علمياً في مسجد البلدة. وسرعان ما ذاع صيته، فالتف حوله الطلاب من كل صوب ونكب. ومما يروى في مسيرته أنه لما كان في الثالثة عشرة من عمره، التحق بحلقته تلميذ ذكي يسمى "أحمد كويا". ورغم صغر سن التلميذ، فقد كرس حياته لخدمة أستاذه بكل أمانة وإخلاص، وأصبح الكاتب الخاص للشيخ، يحوّر ويرقم كل ما يسمعه من أستاذه بدقة فائقة. ولاحقاً، وبترشيح وتوجيه من الشيخ، عين أحمد كويا إماماً لمسجد "تزوى"، ليستمر في خدمة العلم والدين عقوداً طويلة متأسياً بشيخه.
كان الشيخ عابداً زاهداً يميل إلى العزلة والرياضة الروحية التي يسلكها المقربون من أولياء الله الصالحين. اتخذ لنفسه بيتاً خاصاً بعيداً عن صخب الحياة اليومية ليتفرغ فيه للذكر والتفكر والتأليف. وكان من عداد دأبه الروحي أن يصوم أحياناً تسعين يوماً متتالية، رجاء أن يمحو الله عنه أي تقصير أو سهو قد يقع في صيامه، وساعياً بكل طاقته إلى تمثل هدي النبي صلى الله عليه وسلم في سمته، وسلوكه، وأكله، وشربه، ونومه. وكان إلى جانب زهده صلب الدين، قوّاماً بالحق، لا يخاف في الله لومة لائم؛ يتصدى للمنكرات والمخالفات الشرعية التي تطرأ في مجتمعه، معتنياً بذمة الدين وحرماته. ولذا حظي بمحبة فائقة وهيبة عظيمة في قلوب عامة الناس وخاصتهم، فصار المرجع الموثوق والملجأ الأول لأهالي المنطقة لحل مشكلاتهم المستعصية، وفض نزاعاتهم، واستفتائه في دقيق المسائل وجليلها.
أما في مجال الدعوة والخطابة، فقد كان للشيخ أسلوب فريد يخلب الألباب ويلامس الأفئدة. كانت مواعظه وخطبه في الجمع والأعياد والمناسبات تؤثر في الجماهير تأثيراً عميقاً؛ حيث تميزت خطبته المتكاملة بالترتيب والتنسيق، وكانت تستغرق في الغالب زهاء ساعتين كاملتين دون أن يشعر الحاضرون بملل أو تعب. كان يدمج في خطبته الآيات القرأنية، والأحاديث النبوية، والحكم، والأذكار، والأشعار العربية والماليالامية، والقصص التاريخية، والذكريات العذبة. ورغم أنه اعتلى المنبر وخطب في الناس لأكثر من نصف قرن، فلم يُعهد عنه فضول كلام أو حشو زائل أو تزيد لا فائدة منه. ولهذا السبب، كان الناس يتقاطرون على مسجده من أماكن نائية وقرى بعيدة ليستمعوا إلى خطبه النيرة، ويستضيئوا بنور مواعظه.
ومن أعظم المحطات في حياة الشيخ قصته مع مجلة "النسيم" التي كانت تصدر تحت دكشنا كيرلا؛ حيث كان ينشر فيها قصائده العلمية والدعوية بانتظام. وقد أثارت تلك المنظومات شغف القراء وفكرهم. وفي نهاية المطاف، جُمِعت هذه المواد الشعرية الرصينة وصيغت في مؤلف ضخم فريد سُمي "المواهب الجلية"، وهو بحق تحفة ذهبية أهديت للأمة الإسلامية. ووراء هذا السِفر العظيم قصة إيمانية ملهمة؛ فعندما زار الشيخ بيت الله الحرام لأداء مناسك الحج، جاش في صدره شوق عارم لرعاية أمة النبي صلى الله عليه وسلم. فدعا الله عز وجل وهو ملتزم أستار الكعبة بدعاء خاشع من أعماق قلبه قائلاً: "اللهم وفقني لعمل صالح ينتفع به الناس، وأَنَلْ به الأجر العظيم في اليوم الآخر".
فأجاب الله دعاءه، ووفقه لوضع هذا السِفر الجليل الذي افتتحه بذكر القرآن الكريم وختمه بذكر الجنة ونعيمها. يقع هذا الكتاب في زهاء 22,000 بيت شعري، وصيغ بأسلوب سلس يسهل تحفيظه وقراءته. وقد تضمن الكتاب معارف في علم الفقه، والأخلاق، والسلوك، والاجتماع، والتربية. ونظراً لأهميته البالغة، فقد تمت ترجمته وشرحه بلغات عدة، منها الماليالامية، والأوردية، والعربية، والإنجليزية، ليصبح متداولاً على ألسنة الآلاف من الطلاب والعوام.
ولم تقتصر إنتاجات الشيخ على "المواهب الجلية"، بل كانت له مؤلفات سابقة ولاحقة أثرت المكتبة الإسلامية في كيرلا، ومنها كتاب "المظهر الأتم"، وهو أول مؤلفاته، صاغه وهو في الثامنة عشرة من عمره باللغة العربية. وهو عبارة عن مولد نبوي رائع نظم فيه مدائح النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء على غرار "المولد المنقوص" المشهور في كيرلا. وقد قام نجله الأكبر، الأستاذ عبد السلام، بترجمة هذا السِفر إلى اللغة الماليالامية مع الحفاظ على النص العربي الأصلي. كما ألف كتاب "مسلك العابدين" في التصوف والأخلاق والرياضة الروحية، وكتاب "مناقب حسن بن علي كاروناغابالي" في السير والمناقب لتذكير الناس بفضل الصالحين، وكتاب "نبراس العلي في مناقب الحضرمي بجونكبورم" للتعريف بفضل أحد الشيوخ الكبار. وله أيضاً "منظومة المستشفى"، وهي قصيدة ملهمة أنشأها أثناء تنويمه في مستشفى كلية الطب بمدينة "تريفاندروم" عندما ألمّ به مرض السكر، وجسد فيها الصبر والاحتساب والالتجاء إلى الله، وقد طارت هذه القصيدة في أرجاء كيرلا وشهِرت بين الناس.
وبعد حياة حافلة بالعطاء العلمي، والتربية، والتأليف، والجهاد الدعوي، توفي الشيخ تزوى أستاذ في يوم الأحد الموافق 29 من شهر صفر سنة 1420 هجرية. ورغم مرور عقود على رحيله، لا يزال ذكره عاطراً، وآثاره العلمية معلماً بارزاً في ولاية كيرلا وخارجها، وتلهج الألسنة بالدعاء له في المجالس والحلقات. تغمد الله الشيخ بواسع رحمته، ورفع درجاته في عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
