ربيع الأول: ميلاد الهدى ونور البشرية

إعداد: محمد رباح فخر الأمين 

إن ربيع الأول موسم تتجدد فيه ذكرى عظيمة تهتز لها قلوب ملايين المؤمنين شوقا ومحبة. فإذا كانت مكة المكرمة والمدينة المنورة من أفضل البلاد وأقدسها في الإسلام، وإذا كان رمضان المعظم خير الشهور وأبركها، فإن لربيع الأول مكانة خاصة وسامية في وجدان الأمة؛ فهو الشهر الذي شهد ميلاد النور، وهجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ليكون فجرا جديدا أضاء الكون بدعوة التوحيد والعدل والمساواة.

في الثاني عشر من هذا الشهر المبارك، أشرقت الدنيا بنور الهداية بميلاد الرحمة المهداة، سيد الكونين والثقلين، وخاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. لقد جاء ميلاده تبديدا لظلمات الجاهلية، وإيذانا بزوال الطغيان، وبداية لعهد جديد من الهداية والرحمة. وقد رويت في كتب السيرة أخبار عن الآيات والعجائب التي صاحبت مولده الشريف، فكانت بشائر بمجيء النبي الذي أرسله الله رحمة للعالمين، ليخرج البشرية من ظلمات الشرك والجهل والظلم إلى نور التوحيد والهداية.

وفي تلك اللحظة المباركة، رأت آمنة رضي الله عنها نورا خرج منها، فأضاءت له قصور الشام، وظهرت في الكون علامات تدل على عظمة هذا المولود المبارك. وقد رويت كذلك أخبار عن انقلاب بعض الأصنام، وسقوط شرفات من إيوان كسرى، وخمود نار فارس التي كانت توقد زمنا طويلا. وقد تناقلت كتب السيرة هذه الأخبار في سياق الحديث عن مولده الشريف، فكانت في مجموعها تعبيرا عن عظمة الحدث الذي غير وجه التاريخ، وارتبط بميلاد من أرسله الله هاديا ومبشرا ونذيرا.

لقد حظي النبي صلى الله عليه وسلم بأجمل الصفات الخلقية والخلقية، وقد نقل الصحابة الكرام أوصافه في كتب السيرة والشمائل نقلا دقيقا. فقد كان ربعة من الرجال، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، حسن الجسم، أنور اللون، مشربا بحمرة لطيفة، جميل الوجه، واسع العينين، حسن الخدين، قوي البنية، وكان من أكمل الناس خلقا وخلقا. وكان وجهه المبارك يتلألأ نورا، حتى كان من يراه يشعر بجمال مهيب لا يشبه جمال غيره. وإذا صمت علاه الوقار والهيبة، وإذا تكلم أخذ بمجامع القلوب، وكان كلامه أبلغ الكلام وأحلاه.

وقد وصفه أصحابه رضوان الله عليهم بأوصاف كثيرة تدل على كمال خلقه وجمال شمائله. ومن ذلك ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه في وصف جماله صلى الله عليه وسلم، حتى شبه نور وجهه بالشمس. وقد جمع الله فيه كمال الظاهر والباطن، فكان أجمل الناس صورة، وأكرمهم أخلاقا، وأرحمهم بالخلق، وأصدقهم حديثا، وأحسنهم معاملة.

ولم يكن ربيع الأول شهرا للميلاد فحسب، بل شهد أيضا حدثا عظيما من أعظم أحداث التاريخ، وهو الهجرة النبوية المباركة إلى المدينة المنورة. فلم تكن الهجرة مجرد انتقال من بلد إلى بلد، ولا مجرد فرار من بطش قريش، بل كانت تحولا حاسما في مسيرة الدعوة الإسلامية، وانتقالا من مرحلة الاستضعاف والصبر في مكة إلى مرحلة بناء الأمة وإقامة المجتمع على أسس الإيمان والعدل والأخوة.

وفي المدينة المنورة أرست الهجرة دعائم المجتمع الإسلامي القائم على المؤاخاة والعدل والمحبة والتعاون، وبدأت مرحلة جديدة من تاريخ الدعوة، اتسعت فيها آفاق الإسلام وانتشر نوره في أرجاء الجزيرة العربية. ومن عظمة هذا الحدث أن الصحابة الكرام جعلوا الهجرة منطلقا للتاريخ الهجري الذي تؤرخ به الأمة الإسلامية إلى يومنا هذا.

وبعد مسيرة حافلة بالدعوة والتعليم والجهاد والرحمة والعطاء، انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى في ربيع الأول، بعد أن أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وترك لها كتاب الله وسنته وسيرة عطرة بقيت منارة تهدي البشرية إلى طريق الحق والخير.

ومن واجب المسلمين تجاه هذه الذكرى العطرة أن يجعلوا ربيع الأول موسما لتجديد المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم، والإكثار من الصلاة والسلام عليه، والتعرف على سيرته وشمائله، وتعليمها للأجيال الناشئة حتى يقتدوا بهديه ويتخلقوا بأخلاقه. فالمحبة الصادقة لا تكون بالكلمات والشعارات وحدها، بل تظهر في الاقتداء بأخلاقه، والتمسك بسنته، والرحمة بالناس، والصدق في التعامل، وحسن العبادة، والحرص على نشر الخير بين الناس.

إن ذكرى ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم تذكرنا بفضل الله ورحمته الواسعة، وهجرته مدرسة متكاملة نتعلم منها الصبر والتضحية وحسن التخطيط والتوكل على الله والثقة بنصره، وسيرته كلها منارة تضيء الدرب وتهدي الحائرين والتائهين في دروب الحياة. فهو القدوة التي يحتاج إليها الإنسان في كل زمان، والمنهج الذي يجد فيه المؤمن معالم الطريق في عبادته وأخلاقه ومعاملاته وعلاقاته بالناس.

وفي الختام، يبقى ربيع الأول شهرا تتجدد فيه مشاعر المحبة والشوق إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وتبقى سيرته العطرة نبراسا يهدي القلوب ويوقظ الهمم. فاتباع نهجه والتمسك بسنته والسير على هديه هو طريق الخير والفلاح؛ فهو سيد الأولين والآخرين، وخاتم الأنبياء والمرسلين، والرحمة التي أرسلها الله للعالمين. فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، ما تعاقب الليل والنهار.

أحدث أقدم