أم المؤمنين خديجة الكبرى رضي الله عنها، سند النبي ﷺ في الدعوة والحصار

إعداد: سنان الكارادي 

السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها أعظم مثال للمرأة التي جمعت بين كمال العقل، ورجاحة الرأي، وقوة الشخصية، وعمق الإيمان. لم تكن مجرد زوجة لرسول الله ﷺ، بل كانت السكن الذي يأوي إليه، والقلب الذي يطمئنه، والركن الذي يستند إليه في أشد مراحل الدعوة الأولى. وهي أول أمهات المؤمنين، وأول امرأة آمنت برسول الله ﷺ وصدقته، فكان لها في حياته ومساندته ونصرة دعوته مقام عظيم لا ينسى.

نشأت خديجة رضي الله عنها في بيت له مكانته في قريش، وعرفت بين قومها بالعفة والكرامة وحسن الخلق، حتى اشتهرت بالطاهرة. وكانت ذات عقل راجح وتجربة واسعة في التجارة، فكانت تستأجر الرجال في تجارتها، وتبعث بقوافلها إلى الشام وغيرها. وحين بلغها ما عرف به محمد بن عبد الله ﷺ من الصدق والأمانة وحسن الخلق، ائتمنته على تجارتها، فكان من ذلك أن عرفت من شمائله ما زادها تقديرا له وإعجابا بخلقه، ثم جمع الله بينهما في زواج مبارك، فكان بيت خديجة أول بيت احتضن رسول الله ﷺ، وأول بيت أشرق فيه نور الإيمان بعد بعثته.

وحين نزل الوحي على رسول الله ﷺ في غار حراء، عاد إلى بيته يرجف فؤاده مما رأى، وقال: «زملوني زملوني». فما كان من خديجة رضي الله عنها إلا أن قابلت اضطرابه بثبات، وخوفه بالطمأنينة، وقالت له كلمات خلدتها السنة: «كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق». رواه البخاري ومسلم.

ما أعظم هذه الكلمات! لم تكن مجرد مواساة عاطفية، وإنما كانت شهادة امرأة عرفت زوجها حق المعرفة، واستدلت على عظيم منزلته عند الله بما عرفته من أخلاقه وأعماله. ثم لم تكتف خديجة رضي الله عنها بطمأنته، بل أخذته إلى ورقة بن نوفل، فكان موقفها أول صورة من صور النصرة الواعية لدعوة لم تكن قد اتضحت معالمها بعد.

ثم بدأت قريش تضيق على رسول الله ﷺ وعلى من آمن به، واشتد الأذى، واشتدت معه المحن. وحين فرضت قريش الحصار على بني هاشم وبني المطلب في شعب أبي طالب، لم تختر خديجة رضي الله عنها أن تبقى في بيتها في سعة العيش والرخاء، بل شاركت رسول الله ﷺ وأهله ومن معه مرارة الحصار وشدته. تركت حياة الراحة، ودخلت معه في سنوات من الجوع والضيق والمشقة، وبذلت من مالها في إعانة رسول الله ﷺ ومن معه ما استطاعت، حتى أصبحت حياتها في تلك المرحلة صورة ناصعة من صور التضحية والوفاء.

ولم تكن مواساتها للنبي ﷺ في تلك الأيام موقفا عابرا، بل كانت وفاء ممتدا منذ أول لحظة من لحظات الدعوة. فقد آمنت به حين كذبه الناس، وصدقته حين شكك فيه قومه، ووقفت إلى جانبه حين اشتد عليه البلاء، وجعلت من مالها عونا له في طريق الدعوة. ولهذا ظل رسول الله ﷺ يذكر فضلها بعد وفاتها، فقال: «قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء». رواه أحمد، وهو حديث مشهور في فضلها رضي الله عنها.

وبلغت خديجة رضي الله عنها من المنزلة والكرامة ما جعل جبريل عليه السلام يأتي رسول الله ﷺ فيبلغها سلام الله تعالى، ويبشرها ببيت في الجنة. قال: «يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب». رواه البخاري ومسلم.

وأي منزلة أعظم من أن تبلغ المرأة سلام ربها؟ وأي تكريم أرفع من أن تبشر ببيت في الجنة لا صخب فيه ولا نصب؟ لقد كانت خديجة رضي الله عنها في الدنيا مصدر سكينة لرسول الله ﷺ، فكان من كرامتها أن بشرها الله تعالى ببيت في الجنة عنوانه الهدوء والسلام، جزاء ما قدمت من سكينة ووفاء وبذل.

ثم رحلت خديجة رضي الله عنها عن الدنيا، ولكن رحيلها لم يكن نهاية حضورها في قلب رسول الله ﷺ. فقد بقي يذكرها، ويثني عليها، ويحفظ لها فضلها، ويكرم صديقاتها وفاء لها. ولم تستطع الأيام، على كثرة ما حملت للنبي ﷺ من أحداث، أن تمحو من قلبه أثر المرأة التي وقفت معه في أول الطريق حين كان الإيمان به يحتاج إلى قلب لا يتردد، وإلى نفس لا تخاف.

وتوفيت خديجة رضي الله عنها في مكة قبل الهجرة بنحو ثلاث سنوات، بعد أن عاشت مع رسول الله ﷺ مرحلة الدعوة المكية الأولى، وكانت وفاتها بعد انتهاء الحصار بمدة يسيرة. ثم توفي أبو طالب في الفترة نفسها، فاشتد حزن رسول الله ﷺ، واشتهر ذلك العام في كتب السيرة بعام الحزن.  فقد النبي ﷺ برحيلها سكن البيت، ودفء الزوجة، وصوت المواساة، والعون الذي لازمه في أصعب مراحل حياته.

إن سيرة خديجة الكبرى رضي الله عنها ليست مجرد صفحات من الماضي، وإنما هي مدرسة في الإيمان والوفاء والتضحية. لقد أثبتت أن عظمة المرأة لا تكون بكثرة ما تملك، وإنما بما تقدمه من خير، وأن قيمة المال ليست في جمعه وحفظه، بل في بذله حين يحتاج الحق إلى من ينصره. وأثبتت كذلك أن أعظم الشراكة الزوجية ليست أن يلتقي الزوجان في أيام الرخاء فحسب، وإنما أن يثبت أحدهما إلى جانب الآخر حين تضيق الدنيا وتشتد المحن.

كانت خديجة رضي الله عنها أول قلب آمن برسول الله ﷺ، وأول بيت احتضن دعوته، وأول من وقف إلى جانبه حين كان الطريق مجهولا محفوفا بالأذى. صدقته حين كذبه الناس، وآوته حين أوحشته المحنة، وواسته حين حرمه الناس، وبذلت من مالها ونفسها في سبيل ما آمنت به. فرحلت عن الدنيا، وبقي ذكرها في قلب رسول الله ﷺ، وبقيت سيرتها شاهدة على أن بعض الأرواح إذا رحلت عن الدنيا، تركت وراءها أثرا لا يموت.

رحم الله أم المؤمنين خديجة الكبرى رضي الله عنها، وجزاها عن رسول الله ﷺ وعن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وجمعنا بها في دار لا صخب فيها ولا نصب.

أحدث أقدم