مونديال 2026 : حين تتكلم السياسة بلغة الرياضة


إعداد: حسن الشيروفي 

لطالما كانت الرياضة لغة عالمية تتجاوز حدود الجغرافيا واختلاف الأعراق والأديان، وجسرا للتواصل بين الشعوب، يحمل في طياته قيم التنافس الشريف، والسلام، والوحدة الإنسانية. غير أن هذا الفضاء النقي لم يسلم عبر التاريخ من تدخلات السياسة، حتى غدت البطولات الرياضية الكبرى في كثير من الأحيان ساحات تتقاطع فيها المصالح السياسية، وتمارس فيها أشكال متعددة من النفوذ والدعاية، فتتراجع الرسالة الرياضية أمام الحسابات الاستراتيجية للدول والقوى المتنفذة.

ويعد كأس العالم لكرة القدم من أبرز النماذج التي تكشف هذا التداخل بين السياسة والرياضة، إذ لم يعد مجرد حدث رياضي ينتظره الملايين، بل أصبح منصة ذات تأثير عالمي، تسعى الحكومات والزعماء والمؤسسات الدولية إلى استثمارها لتعزيز صورتهم السياسية وترسيخ نفوذهم على الساحة الدولية.

وفي هذا السياق، أثارت العلاقة بين رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"، جياني إنفانتينو، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، موجة من الانتقادات. ويرى عدد من المحللين أن هذه العلاقة تجاوزت حدود التعاون المؤسسي إلى نوع من التقارب السياسي الذي ألقى بظلاله على استقلالية المؤسسة الرياضية. وقد ازداد هذا الجدل بعد تداول تقارير تحدثت عن احتفاظ ترامب بالكأس الأصلية لكأس العالم للأندية، بينما تسلم الفريق الفائز نسخة مقلدة، إضافة إلى منحه ما سمي بـ"جائزة فيفا للسلام"، الأمر الذي عده منتقدون خطوة رمزية لا تنسجم - في نظرهم - مع بعض السياسات الخارجية التي انتهجتها الإدارة الأمريكية.

ولم تقف مظاهر التسييس عند هذا الحد، بل امتدت إلى الجوانب الأمنية والتنظيمية للبطولة. فقد أدرجت كأس العالم ضمن قائمة "الفعاليات الوطنية الخاصة بالأمن"، وهو تصنيف يمنح السلطات الفيدرالية صلاحيات واسعة وتمويلا ضخما لتعزيز الإجراءات الأمنية. ويرى بعض الباحثين والناشطين أن هذه الخطوة أسهمت في توسيع مظاهر عسكرة أجهزة الشرطة، من خلال تزويدها بمعدات وأسلحة متطورة قد يبقى أثرها قائما حتى بعد انتهاء البطولة، بما ينعكس على الحياة اليومية للمجتمعات المحلية.

ومن أكثر القضايا إثارة للجدل ما يتعلق بدور سلطات الهجرة والجمارك الأمريكية في تأمين المباريات. فقد أعلن عن احتمال مشاركة هذه الوكالة في العمليات الأمنية المصاحبة للبطولة، وهو ما أثار مخاوف واسعة لدى الجاليات المهاجرة، ولا سيما الجماهير القادمة من أمريكا اللاتينية، التي تعد من أكبر القواعد الجماهيرية لكرة القدم في الولايات المتحدة. ويخشى كثيرون أن تتحول أجواء الاحتفال الرياضي إلى مصدر قلق وخوف، فيفقد الحدث العالمي شيئا من رسالته الجامعة.

كما ألقت القيود المفروضة على منح التأشيرات، والتشدد في إجراءات الدخول، بظلالها على البطولة، خاصة فيما يتعلق بزوار بعض دول الشرق الأوسط وإفريقيا. وقد أدى ذلك - بحسب تقارير إعلامية - إلى صعوبات واجهت جماهير وصحفيين وبعض الوفود الرسمية، الأمر الذي أثار تساؤلات حول مدى قدرة البطولة على تحقيق مبدأ الانفتاح الذي تقوم عليه المنافسات الرياضية الدولية.

ولم تكن المنتخبات نفسها بمنأى عن هذه التجاذبات، إذ أصبح بعضها عرضة لضغوط سياسية وإعلامية متزايدة. ويستشهد في هذا الإطار بما تعرض له المنتخب الإيراني من جدل وضغوط ذات أبعاد سياسية، وهو ما يعكس الكيفية التي يمكن أن تتحول بها المنافسة الرياضية إلى امتداد للخلافات الدولية.

ومن زاوية أخرى، يرى عدد من الباحثين أن ثمة ازدواجية في التعامل مع ملف "تلميع الصورة عبر الرياضة". فبينما تعرضت دول مثل روسيا وقطر لانتقادات واسعة عند استضافتهما بطولات كبرى بسبب ملفات حقوق الإنسان، يرى بعض الأكاديميين أن الولايات المتحدة لا تواجه المستوى نفسه من التدقيق الإعلامي، رغم الانتقادات المتعلقة بقضايا الهجرة والعنف المسلح وغيرها. ويرجع هؤلاء هذا التفاوت إلى اختلاف موازين القوى السياسية والإعلامية على المستوى الدولي.

كما انعكست هذه الأجواء على الجانب الاقتصادي للبطولة، إذ أشارت بعض التقارير إلى تراجع معدلات الحجوزات الفندقية في عدد من المدن المستضيفة، في ظل مخاوف مرتبطة بالإجراءات الأمنية، وسياسات الهجرة، والعنف المسلح، الأمر الذي دفع بعض العاملين في قطاع الضيافة إلى التشكيك في حجم العائد الاقتصادي المتوقع من الحدث.

وفي النهاية، تبقى الرياضة أسمى من أن تختزل في المصالح السياسية أو الحسابات الأمنية. فهي رسالة إنسانية تهدف إلى جمع الشعوب لا إلى تعميق الانقسامات بينها، وإلى بناء جسور الحوار لا إقامة الحواجز. وكلما ابتعدت المؤسسات الرياضية عن التجاذبات السياسية، اقتربت من رسالتها الحقيقية، وحافظت على ثقة الجماهير التي ترى في الملاعب فضاء للوحدة والأمل، لا ساحة للصراع وتصفية الحسابات. 

إرسال تعليق

أحدث أقدم