نعم، الكلام يدور حول عالم عبقري في الهند. ولد فضيلته في جنوب الهند ونشأ
بها يرنو إلى أفاق الأدب العربي والعلوم الإسلامية، ويتصعد رويدا رويدا حتى لمع
نجمه في سماء اللغة العربية، وتباهت بنشر مولفاته الدور العالمية بما فيها مكتبة
النور المبين بالأردن، ودار الضياء بالكويت، ودار الأصالة بمصر. وانتشرت كتبه بين
أهل العلم في أنحاء العالم وأصقاعه وأقبل عليها القراء من العرب والعجم واستضافته
العرب من أجل الاستفادة من علمه الرائق والنهل من معينه الدافق. فقد بات يلقي
المحاضرات في شتى العلوم الإسلامية بالمدينة المنورة لمدة سنة ثم رجع إلى جامعة
مركز الثقافة السنية قي كيرلا مسقط رأسه.
جهود مستمرة وعزم لا تشوبه خيبة أمل هي التي صاغت عبقريته في مختلف العلوم
والفنون. فقد قضى وقتا طويلا في مطالعة القواميس العربية والمعاجم الأدبية القديمة
والحديثة مما أدى إلى استظهار كثير من المفردات والتراكيب وإدراك غفير من الكلمات
والتعابير، ولما استكملت عدته واستحصدت قوته من تلك الكتب تولدت لديه الملكة
العربية والقريحة الشعرية استطاع بهما التصرف في صنوف الشعر وضروب النثر فأي قارئ
يقرأ مؤلفاته العربية وديوانه الشعري يستحيل أن يشك في عروبته، ولا يمكن أن يتعجب
القارئ من إحكام تركيبه للكلمات وجودة صياغته للكلام العربي. ولقد شهدت العرب بذلك
قبل العجم، والعجيب أن شعره قد تحدى نثره جنبا إلى جنب كتفا إلى كتف، وقليل من
يجمع بين صناعتي الشعر والنثر في أي زمن كان، فإذا استمعت إلى ما يقرضه ويسرده
فليس لك إلا الانبهار والاندهاش إذ إنك لن تجد للعجمة مساغا، وللكف مجازا. وكان
يقضي جل أوقاته مدة دراسته لمطالعة الحواشي والشروح للحصول على التحقيق والتدقيق.
انطلاقا من هذا، اتسع عالم القراءة لديه وجمع أوعية عملاقة من نوادر النكت
وشورادها، حتى مكنته من تأليف ما يربو على سبعين كتابا، بعضها طبع في مصر وبعضها
في الكويت واليمن كلها درر وغرر في بابه.
ويجدر بالذكر أنه انبرى في هذه التأليفات لشرح المسائل المستعصية التي زلت
فيها عقول الفحول، والتي عجز عن كشف لثامها الكمل، هاك مثلا كتابه «تصوير المطلب
في التعبير بالمذهب»، أتى فيه فضيلته بما لم يأت به السابقون، وكان أكثر العلماء
يتهيبون عبارة «التحفة » في تحليل مصطلح «المذهب»، فالبعض حادوا عن شرحها بينما
البعض الآخر شرحوها بما يخالف مراد المؤلف، لكن فضيلته اقتحم الموقف، فأتى من
التحقيق بالشيء العجاب فصار تأليفه رواء كل غلة، وجلاء كل شبهة وقد طبع هذا الكتاب
في اليمن الميمونة تحت عناية كريمة من علمائها، وكذا الأمر في بقية تأليفاته. وكتابه
: «دراسة موسوعية لاصطلاحات الشافعية» عمل بديع في بابه، يضبط للقارئ ما شرد
وتناثر من المصطلحات التي تخفى على الكثيرين، وكانت هذه المصطلحات يمر بها أكثر
المحققين فضلا عن طلبة العلم مرور الكرام، فلا يعرفون مغزاها ولا معناها، فالذين
ألفوا فيها بمن فيهم كبار الدكاترة والمشايخ لم يأتوا بما يثلج الصدور، فتجد كتبهم
خالية من الملصطلحات التي تعرض لها الشيخ، ولا غلو إذا قلت لن تجد هذه المصطلحات
مجموعة بهذا الترتيب الشيق في غير هذا الكتاب، وأضاف إلى ذلك جودة التأليف وحسن
الصياغة التين تجعلان القارئ يستعذب المعلومات ويستملح القواعد دون مكابدة الغناء
وتجشم الصعاب.
وكتابه «إشباع البصائر بعصارة الأشباه والنظائر»، في قواعد الفقه الكلية لون
آخر من تأليفاته. واضح لمن له وعي بكتاب «الأشباه والنظائر» للإمام الجليل جلال
الدين السيوطي رحمه الله أنه جامع شامل في ذاك الفن. وقد لخحصه الأستاذ ببيان
الأمثلة من كتب الفقه المتداولة حتى يسهل الفهم والاستفادة. فالذي يقرأ هذا
التلخيص يطلع على مراد مؤلف الأصل، ولولا هذه المعرفة لتاه في أصل الكتاب لدماسة
مسائله وكثرة تفريعاته.
وفي كل هذه المؤلفات تجد العقلية «البصيرية» المحررة واضحة فلا جمع دون
تحرير، ولا نقل دون تعقيب وقل أن تجد بحثا في كتبه يخلو من تحرير أو إدراك أو
زيادة إيضاح أو إعادة صياغة خلاف أكثرالمؤلفين في زماننا يجمعون المعلومات من هنا
وهناك، ويضعونها في كتاب، في الحقيقة ربما لا يكون لهم إلا القص واللصق.
وكما أن شعره يتكاتف مع نثره استوعبت مؤلفاته كثيرا من الفنون، ففضيلته إذا
تكلم في الاصطلاحات تجده هيتمي الزمان، وكردي الأوان، وإذا تكلم في المنطق تجد روح
السعد متمثلة فيه، فانظر مثلا إلى مسألة الضابطة في كتاب «التهذيب» في المنطق التي
ألفت حولها كتب عديدة، والتي شغلت المعقوليين ما شغلت، فلن تجد مؤلفا يشفي الغليل
ويروي الظمأ مثل كتابه المنقطع النظير «ماكنة التهذيب لضابطة التهذيب». والأمر في
الأصول كذلك تجده يلخص كتاب «لب الأصول» مختصر « جمع الجوامع» ومن يجرؤ على مثل
هذا العمل إلا من أوتي اليد الطولى والنصيب الأوفى من العلوم العربية والشرعية.
وكتابه «مولد الحسنين لسيد الكونين» عجب عُجاب من بين المواليد المعروفة.
رتبه الشيخ في ثلاثين جزء يبين فيها الحسنين الحسي والمعنوي للنبي الأكرم - صلى
الله عليه وسلم- وسجع كل جملة بحرف النون، ولا يشك من يطالع هذا المولد في جزالة
ألفاظه وأناقة أسلوبه. وعلى أنه مولد مبارك كبير، فإنه مرجع هام للفضائل النبوية
والشمائل المصطفوية. وصدر قبل قليل شرح شامل كبير لهذا المولد الشريف في ٧٢٠ صفحة «مطرد الحزنين بشرح مولد الحسنين».
وقد أقبل جم غفير من الأحباب على كتابه «مولد الحسنين» قراءة واستفادة حتى تم نشر
أحد عشر ألف نسخة له خلال ثلاث سنوات. وصدر أيضا «المورد الإيماني مولد غوث
الجيلاني» كتتمة لمولدالحسنين. وكذا «بلسم الضمير مدح خاجا أجمير»، و «التيار
النوري مولد الغوث المدوري» كلها ممزوجة بسلسلة المصطلحات الصوفية ومعسولة برغائد
التدقيقات وعناقيد التحقيقات في أبوابها.
ليت شعري هل أتت أرض مليبار بمثله أو ستأتي به! ليس لعاشق الضاد من الهند في
مناسبة إصدار الطبعة الرابعة لكتابه «مولد الحسنين» أن لا يكتب عن هذا العبقري أو
أن يكتم هذا الدر اللامثيل في دياجي الخمول.
