احتجاج الشباب في عاصمة الهند

إعداد : محمد شعيب علي 

إنها ليست مجرد حركات احتجاجية عابرة تطوى سراعا في صفحات التاريخ، ولا هي مجرد زفرات غضب شبابية تنطفئ مع مرور الأيام، بل هي ملحمة ديمقراطية استثنائية وثورة فكرية وإنسانية تشهدها أزقة العاصمة "نيودلهي". إنها ملحمة شريفة تسطرها سواعد جيل كامل من الشباب الواعد؛ جيل استباحت سلطة الفساد أحلامه النقية، وغدرت بعرقه وسهره الطويل خلف مقاعد العلم والتحصيل. ففي ساحة "جنتر منتر" العريقة، تعوي اليوم رياح الرفض العاتية، وتتحول الوقفة الاحتجاجية السلمية إلى زلزال مجتمعي وسياسي يهد أركان الحكومة الاتحادية، ويؤذن ببدء التنازلي لهيبتها السلطوية المفقودة. إن الشوارع التي طالما شهدت صمت الضحايا، أضحت اليوم تجأر بصوت واحد يطالب بالعدالة وتطهير المؤسسات التعليمية من دنس العبث والفساد.

لقد اندلعت ألسنة هذه الغضبة العارمة حينما تحولت الامتحانات الوطنية الكبرى وفي مقدمتها اختبارات "نيت" (NEET) و"نيت-يو-جي-سي"(NEET -UGC) التي يبني عليها آلاف الطلاب والطالبات آمالهم وأحلامهم المستقبلية إلى مسرحٍ علني للتلاعب الممنهج، وتسريب الأسئلة، والسلب المنظم لفرص الكفاءات المستحقة. كان ذلك يتم تحت رعايةٍ وضماناتٍ شبه رسمية، وفي ظل تغاضٍ مريب من القائمين على إدارة هذا القطاع الحساس. ولم يكن طلب المحتجين يخرج عن نطاق البديهيات الأخلاقية والقانونية: استقالة وزير التعليم الاتحادي تحملًا لمسؤوليته الأخلاقية والسياسية المباشرة عن هذه الفاجعة التعليمية. غير أن السلطة الغارقة في غرورها، والمسكونة بالرعب من انكشاف خبايا الفساد المالي والأكاديمي، لم تجد سبيلاً للرد سوى لغة العنف والبطش والتنكيل ومصادرة الحقوق المكفولة دستورياً.

ولعل أبلغ دليل على ذعر النظام وارتباكه هو ذلك المشهد الجائر الذي عُومل به الناشط البيئي والاجتماعي العفيف "سونام وانغتشوك"، الذي خاض إضراباً مضنياً عن الطعام نصرةً للطلاب المظلومين. فبدلاً من الاستماع لصوته الإنساني الصادق، انتُزع بقسوة الشرطة وبطشها بعد أكثر من عشرين يوماً من الصيام ليُساق كرهاً إلى المستشفى، في محاولة خاسرة لكسر إرادة المضربين وترهيب من خلفهم. لكن البطش لم يزد العاصفة إلا اشتعالاً وزخماً؛ فسرعان ما تداعت الجموع الشبابية من كل حدب وصوب، واقتحمت المسافات بكبرياء صوب مقر البرلمان في مسيرة هادرة. ولأول مرة منذ العقود المظلمة، أغلقت السلطات الأمنية كافة بوابات المقر التشريعي، وكأن العاصمة تعيش حالة حرب ضارية ضد عدو خارجي، لا ضد مظاهرة سلمية حضارية يرفع فيها شباب الوطن وجيل المستقبل أصواتهم مطالبين بالحق.

ولم تقف الجريمة عند حدود ضرب الطلاب بالهراوات وإمطارهم بالقنابل المسيلة للدموع، بل امتدت يد البطش لتبطش برموز المعارضة الوطنية والقيادات السياسية التي جاءت لتشكل درعاً لحماية أبنائها الطلاب. واجهت شرطة العاصمة تلك القامات الوطنية برعونة وقسوة لا تليق ببلد يدعي أصول الديمقراطية؛ حيث جُرّ القادة والأعضاء في الطرقات، وأُريقت الدماء على وجوههم، واستُعين بالحشود الأمنية والبلطجية لإثارة الفوضى واستفزاز المشاعر. إن الاستعانة بأساليب الترهيب، مثل إغلاق محطات المترو وقطع خدمات الإنترنت ونشر الحواجز الحديدية، لم تفلح في كسر عزيمة "حزب شعب الصراصير" (CJP) وحلفائها، بل كشفت عن وجهٍ استبدادي يُغلف نفسه بغطاء ديمقراطي هش، ويخشى كلمة الحق أكثر مما يخشى الحروب.

إن ما يحدث اليوم في قلب العاصمة ليس إلا تجسيداً حياً للحقيقة التاريخية الأزلية: «إن قوة الشعوب وإرادة الأجيال أعتى وأبقى من الأموال والسلطان». إن صمت رئيس الوزراء المريب وتشبث وزير التعليم بكرسيه لا يعبران عن القوة، بل عن خوفٍ جلي وشعورٍ بالورطة التي لا مخرج منها إلا بالنزول عند رغبة الجماهير. وليت الحكام يتذكرون كيف وصلوا إلى سدة الحكم يوم استغلوا الحراك الشعبي ضد الفساد المالي في العقود الماضية، وليتأملوا في التحولات الإقليمية والمجاورة ليروا كيف تنتهي عروش الحكام حين يستبدون ويستهينون بغضبة الشباب وطلاب العلم. إن الشعلة إذا اشتعلت في قلوب أصحاب الحق، فلن تطمئها هراوات الشرطة ولا أسوار المعتقلات، وستبقى ساحة "جنتر منتر" شاهدة على أن الحق يمهل ولا يهمل.

إرسال تعليق

أحدث أقدم